عن وظيفتي كمعلم (2)

الجزء الأول من التدوينة

قد تكون هذه التدوينه اكثر تركيزا على ما بعد ان تباشر عملك و لحقوقك.

بعد انتقالي لمكان عملي و مباشرتي للعمل، حصل الخطأ الأول في المطالبة بحقوقي كمعلم، يجب مباشرةً ان تحصل على مكتبك، خزانتك، اقلامك و اوراقك، و جهاز الكمبيوتر الخاص بك. هذه ليست رفاهية اطلاقا. هي “اساسيات” عمل يوميه و سوف تُحاسب على التقصير حتى لو كان السبب عدم امتلاكك هذه الادوات. تقبل تماما بأنك ستصرف كم كبير من وقتك وجهدك ليس امام الطلاب لأن هذه في الحقيقه الخطوة الاخيره، بل امام شاشة الكمبيوتر و المنهج لكي:

  • تُراجع الخطة الشاملة للفصل كاملا بشكل اسبوعي و عكسها على تقدمك اليومي/ الاسبوعي.
  • تعويد نفسك على قراءة الكتب! افراد مجتمعنا يعاني من هذه النقطه و لسنا معتادين على قراءة عدة صفحات من دون تضجر و مقاطعه و عدم تركيز. انت كمعلم فأن القراءة “مهارة” يحب عليك صقلها و استخدامها شبه يوميا.
  • تلخيص الدرس (على شكل باوربوينت او على اوراق تساعدك على القائها امام طلابك). و لن ادخل في اسس و فن التلخيص و الالقاء …الخ.
  • ادخال الحضور و الغياب اولا بأول خصوصا للمدرسين في التعليم ما بعد الثانويه لوجود محاضرات و ورش عمل.
  • قضاء وقت كبير في تصميم اختبارات يوميه (كويز)/ شهرية او المسماة نصفيه/ ثم النهائيه. تحتاج وقت اكبر في حال كنت تملك ورشة
  • عمل لتجهيز المعمل او الورشة و أدواتها. و وقت اخر لتصحيحها ورصد الدرجات بالطريقة المعمول بها في مكان عملك.
  • قراءة ايميلاتك الرسميه من الادراة و موظفيها أول بأول و الرد عليها في نفس اليوم. الايميل = تواصل رسمي. لا تعملها كما تعامل ايميلك الشخصي المليئ بالرسائل الكثيره الغير نافعه.
  • الرد على استفسارات الطلاب الروتينيه عبر الايميل او عند حضورهم لمكتبك فهذا حق من حقوقهم. هذه مهارة بحد ذاتها للتعامل مع الاشخاص و تقديم الحلول بسرعه و بكفاءة و بدون صرف الكثير من وقتك الشخصي.
  • تصنيف اوراقك و ارشفتها اول بأول في ملفات مختلفه مصنفة بشكل واضح و احترافي لتقديمها للإدارة نهاية الفصل الدراسي.
صورة لطلابي وزملاء العمل
صورة لبعض من طلابي و زملاء العمل

شخصيا اخترت طريق الطيبه و المسامحه و الانتظار لبعض الحقوق لان هذه شخصيتي الحقيقيه و من باب كسب صورة حسنة. و للأسف خلطت بين هذا و بين المطالبة بالحقوق لأداء وظيفتي بشكل افضل. و بالتالي، كثير من العمل بدأ يتراكم بحجة “انا ماعندي كمبيوتر! انا ماعندي الملفات المناسبه…الخ” هنا سوف تُحاسب على تقصيرك تجاه ادارتك و طلابك. الحل؟ اسأل رئيسك/ زملاء العمل عن الاساسيات اللتي يجب امتلاكها منذ اول اسبوع في عملك! لا تتاخر اطلاقا. ثم انطلق للجهات المناسبة و تابعهم اول بأول بحضور شخصي منك. لا تتوقع اطلاقا الناس تأتي لك و تقدم لك ما هو حق لك، “ما ضاع حق وراه مطالب”. هذه هي طبيعة العمل. اعلم ان الكلام السابق يعطي صورة بالهجوميه و السطحيه بالاهتمام بالماديات. اكرر، عملك كمعلم يتوقف على هذه الامور. لا ترتكب خطئي بتراكم العمل علي سريعا.

حلطمة رغم ندرة سقوط الثلوج في السعودية!
حلطمة رغم ندرة سقوط الثلوج في السعودية!

المشكلة الاخرى اللتي واجهتها هي عدم حصولي على التدريب المناسب قبل بدأ العمل، كثير من الأمور (خصوصا الرسميه/ الاداريه و المكتبيه) تعلمتها و أنا على رأس العمل. رغم ضغطها النفسي الا ان هذا شي طبيعي و سيقل كثيراً بمجرد سؤالك لرئيسك عن كيفية عمل الشيئ الفلاني، لا مفر من هذا و ادعو الله ان يكون رئيسك متقبل لاستفساراتك الدائمه مثل رئيسي و فريق عملي.
لكن في بيئة عملي الهندسيه، هناك الكثير الكثير من الادوات (ما لذ و طاب من المفكات) ، الآلات (رافعات، و نحوه) ، الاجهزة الحساسه (قياس كهرباء، مضخة بنزين، زاوية العجلات……الخ). هذه الأدوات اللتي تتعدى الملايين من الريالات وفرتها الحكومه بشكل مذهل للطلاب. لكن، ما فائدة وجودها اذا الموظف نفسه لا يعرف استخدامها؟ قد يحاجج البعض بأنه يجب ان ندرب انفسنا بأنفسنا، و هذا شبه مستحيل كون المعلم:

  • مشغول بأداء واجباته المكتبيه المذكورة سابقا.
  • تواجده في محاضرته و ورش العمل و تقديمها للطلاب.
  • رغبته بالمحافظة على سلامته الشخصيه و الادوات الحساسه من التلف.
  • وجود الكثير (الكثير!) من الاجهزة المعقدة التي تتطلب تدريب مكثف و عميق.

التدريب المستمر للموظف شي اساسي لتمكينه من اداء عمله بشمل صحيح، و هو شي للأسف افتقدته مما شكل لي ضغط نفسي شديد (عدم استغلالي للخيارات اللتي امامي، عدم حصول الطلاب على علم متنوع، الضغط المستمر بايجاد حلول بديله لملئ الفراغ).

عن وظيفتي كمعلم

بعد تخرجي و عودي لارض المملكه بدأت مباشره بالبحث عن وظائف ارتكزت بشكل خاص على قطاع الشركات الصناعيه و البتروليه في الشرقيه. بعد مرور شهرين فقط، بدأت في الدخول في حالة فزع -غير منطقيه- لعدم ورود اي اتصال من الشركات. علما بأني تجهزت نفسيا بأن فترة انتظاري قد تصل الى ستة او تسعة شهور لكن يبدو اني لم اتجهز بشكل صحيح. الفراغ، التفكير الزائد، القلق من نفاذ المبلغ البسيط المتبقي من مكافئتي ايام الابتعاث، احساسي -الخاطئ- بأني عالة على الأهل و المجتمع “خريج امريكا و قاعد في بيته!”، وجود طموحات لن تتحقق الا بالمال، كلها اسباب جعلتني اقبل اول وظيفة (و الوظيفه الوحيده ذاك الوقت) عُرضت لي. هي في الحقيقه وظيفه كنت اعلم بتواجدها منذ العام ٢٠١٢، حيث تم ابتعاثنا من قبل المؤسسة العامه للتدريب الفني و المهني، و من اجمل مميزاتها هي اولوية توظيف المبتعثين في احد قطاعات المؤسسة العامه للتدريب الفني و المهني المتنوعه و الكثيره (كليات تقنيه، ثانويات صناعيه، معاهد السجون…الخ). لذلك اُعطينا وعد بأنه سوف يتم توظيفنا في حال رجعنا بالشهادة و التعليم المناسبين و أوفوا بهذا العهد.

2015-06-11 21.23.14
حفلة تخرجي اللطيفه

نرجع للوراء قليلا، تحديدا عام ٢٠٠٨ بعد تخرجي من الثانويه. كان طموحي احدى تخصصات الحاسب لميولي لها و احساسي بأنه يمكنني تطوير نفسي في هذا المجال للأسف تم رفضي من تخصص الحاسب في جامعة الملك فيصل و الكلية التقنيه بالأحساء. و لم يتم قبولي الا في تخصص امقته و لا ارى فيه اي شغف و متعه و لم يأتي اطلاقا على بالي: ميكانيكا السيارات! قبلته على مضض كونه الخيار الوحيد، مع التخطيط لتغيير التخصص داخليا. الغريب اني رمشت بعيني….. و رأيت نفسي اتخرج من هذا التخصص بعد ثلاث سنوات! عشت فيها حياه غريبه و منفصله و شبحيه. اذكر تلك الفترة بشكل ضبابي، استيقظ صباحا، خاليا من الأمل و المشاعر و الطموح و في نمط “الزومبي”. اذهب، امارس طقوس الحشو، التعامل السطحي مع اناس اتظاهر بحبهم، و اقل قدر من التحرك بما يكفي لأنجو، ثم اخرج من الكلية نهاية اليوم و استيقظ من موت المشاعر الى حياتي الجميله خارج اسوار ورش السيارات ذات رائحة الكربون العفنه و الزيت القديم. بشكل غريب، استطعت التخرج بمعدل مرتفع لأني استغليت سهولةالمناهج و الدراسه، معدلي كان مرتفعا حتى انه فتح لي باب الابتعاث الجديد نسبيا على دماء المؤسسة العامه. و هنا وقعت امام خيارين: البقاء في المملكة و البحث عن وظيفة بشهادة الدبلوم، او تحقيق الحلم بالخروج من قيود و انغلاق هذا المجتمع و اخذ التعليم الذي طالما سمعت بجودته و تذوق الحياه بالخارج، لكن بنفس التخصص ” الشبحي”. قبلت بالابتعاث على امتداد تخصصي و حدث ما حدث في هذه الرحله المقدسه و نشرت منها قبسات في المدونه.

Camera 360
كنت سعيداً بذهابي لأمريكا اخيرا …

الوظيفة اللتي عرضت علي كانت بمسمى “مدرب”، و هي مسمى استحدثته المؤسسة العامه و يعني ببساطه ” مدرس”. و تم طرح الرغبات و كما كان هو متوقع فجميعها مدن صغيره و نائيه و بعيده -جدا- عن الأهل و الأصدقاء، او قريبه لكن في بيئه صعبه جدا و هي السجون. تجنبت السجون تماما و بدات بالقاء نظرة على هذه المدن الغريبه، افضلها هي من سمعت بها على الأقل في نشرة الاخبار الجويه! و اخريات استشرت خرائط جوجل لمعرفة اذا كانت هي اصلا مدن داخل المملكه! إخترتَ و قُبِلت في مدينة عرعر اللتي تبعد ١٠٠٠ كيلو عن الأحساء. خيار صعب لكن طمعا في الخبره و المال و الاسباب المذكورة بداية التدوينه، و شددت الرحال لهناك.

IMG_20151204_071750
مطار عرعر

كما توقعت، مطار يستقبل طائرتين فقط، البلد شبه صغير، الشعب قبلي و يتكون اغلب افراد المدينه من نفس القبيله المعروفه بالسعوديه، و يفتقد للترفيه. لايوجد اختناقات مروريه، تكثر سيارات ال Pick up المقدسه كثيرا هنا. و ستقاطع الخراف طريقك احيانا عند ذهابك لماكدونلدز، المطعم العالمي الوحيد الذي تم افتتاحه قبل سنه و اُستقبل بالعرضة!

 

يُتبع في تدوينه قادمة…